logo

  • -image


بَعْضُ المختلِفِ في شِعْرِ نِزار قَبّانـِي

قيل الكثير من الكلام، نقداً وهجاءً ومدحاً وتكريماً وتسفيهاً، عن الشاعر نزار قباني، ومن المؤكد لدي أنه سيقال كثيرٌ في المستقبل أيضاً. فما الذي يستطيع القارىء الناقد تقديمه من أفكارٍ جديدةٍ في هذا الصدد ؟.

لهذا ودون تكرارٍ لمقدماتٍ وشروحٍ تمهيديةٍ، متوفرة لمن يحتاجها، سأحاول هنا بناء عددٍ من الأفكار التي أراها أساسيةً في هذا المجال، من خلال مواصلتي لتفكيك الصورة النمطية المرتسمة في وعي النقد العربي من جهةٍ، وفي وعي أو لا وعي المتلقي، (أو الجماهير) بالتعبير الذي لا أستسيغه، من جهة أخرى.
من ملامح التجديد في علاقة شعر نزار قباني بالمرأة

قدم نزار تجديداً واضحاً في علاقة الشاعر العربي بالمرأة. وذلك عندما ننظر إلى وضع المرأة/الأنثى في الشعر العربي قبل نزار، وكيف كانت تتمظهر كموضوعٍ فني من جهة وكموضوع بشري من جهة ثانية. فالشعر العربي يقدم لنا نماذج من المرأة نرى أنها لا تختلف أو تتباين كثيراً بين شاعرٍ جاهلي أو عذري، إلى شاعر حسيٍ إلى آخر صوفي؛ فإن كل هذه النماذج وفي غالبيتها، تقدم المرأة/الأنثى بصورةٍ غائمة وضبابيةٍ، بحيث تظهر وكأنها شيءٌ أو موضوعٌ لا ملامح ولا علامات فارقة له، وبلا طعمٍ ولا رائحة، ولا يمكن للمتلقي تخيل وجود المرأة بصورةٍ ملموسة ومدركة. إذ ثمة فجوةٌ حادةٌ بين صورة المرأة الحقيقية كما يتعايش معها الإنسان، وصورتها الشعرية المفارقة للواقع. وكان هذا يشكل ظاهرة عامةً من الطبيعي أن يكون لها استثناءات كالعادة، وهي استثناءات كانت تحقق بعض الاختراقات الهامشية التي لم تصنع ظاهرة بديلة وموازية (على سبيل المثال نذكر بعض أشعار امرىء القيس – القصيدة اليتيمة)، ليظل النموذج السائد هو امرأةٌ حبيبةٌ ينشئها الشاعر كتلةً ضبابية تتشابه في سماتها ومفردات تكوينها. فليس هناك فرق جوهري بين ” فاطم امرىء القيس ” أو ” خولة طرفة ” أو ” أسماء الحارث اليشكري ” أو نساء عمر بن أبي ربيعة أو ليلى أو… الخ. والغريب أن تمتد هذه الصورة النمطية حتى عصور لاحقة وصولا إلى أحمد شوقي وإبراهيم ناجي والشابي على سبيل المثال، وهذا ما سوف نأتي فيما بعد على ذكره ثانيةً مستشهدين برؤية نزار نفسه للمسألة…

تطالعنا هنا صورة امرأةٍ لا تفاصيل لها، ولا إحساس ولا كيانٌ مستقل، ولا نعرف عنها إلا ما يريد الشاعر أن ينقله إلينا، وما علينا إلا تصديقه. وما الأمثلة القليلة التي يمكن أن تشكل خروجاً على هذا النمط إلا دليل على أنه هو النمط القاعدة، والمتوارث من جيل إلى جيلٍ. فهي الجميلة دون أن نعرف كيفية جمالها، وهي شهيةٌ دون أن تظهر إلا صدى لشهوة الشاعر، وكأنها أنثى محجبةٌ مضروبٌ عليها خمار مع أنها موضوع للحب والغزل والجنس كذلك.

وكان ذلك أمراً يبعث على التساؤل والحيرة حقا. خاصة إذا دقق قارىء التراث في نصوص النثر والسرد العربيين، وكتب (الإيروتيكا) التي كانت تمعن في قراءة الجسد وأحوال الجنس وأوضاعه، كتب لم تترك شيئا في المرأة إلا واخترقته من لباسها حتى عطورها ورقصها ومشيتها وأصنافها وسوياتها الاجتماعية والبيئية والثقافية، وما يتعلق بالشهوة والعلاقة الجسدية بأدق تفاصيلها.

إضافة إلى أن القارىء الذكي للتراث سوف لا يعدم وجود بعض نصوص هذا النثر والسرد مشتملةً على الكثير من الإشارات الحسية الواقعية التي تصف خارطة الجسد الأنثوي، وخاصة في المروية الطويلة (ألف ليلة وليلة) التي نجد جسد المرأة فيها وقد اتخذ حضوراً أنثويا حادا وأساسيا ومركزيا، عبر تقديم هذا الجسد الأنثوي لنفسه في علاقته مع الجمال والإغراء والعطور والحمامات واللباس الأنيق والمثير والنطق المموسق والرقص الموظف، وعبر التركيز على صفاته الجريئة باللون والحركة والأعضاء.

كما يفصح البعض الآخر من النثر العربي الذي يسرد وقائع الحياة في العصرين الأموي والعباسي، وخاصة حياة ليالي الخلفاء والأمراء والولاة في سراديب قصورهم وأسرار معيشتهم وبساتين القصف واللهو، أقول يفصح هذا النثر عن امرأةٍ من لحمٍ ودمٍ حارين، امرأة ما هي إلا انعكاس أمين للصورة المرتسمة للأنوثة في المخيلة والذهنية العربيتين، وهي صورة كانت تنتقل من الواقع إلى هذه المخيلة، أو لنقل إنها صورة تتناوبها لحظتا الواقع والمخيلة في الوقت نفسه في علاقة متبادلة تأخذ هذه من تلك وتعطيها في الوقت ذاته، أي لم تكن هذه الصورة من إنشاء الخيال وحده بل من تأثير الواقع.

هل هناك مبررٌ واضح ومقنع لغياب جسد المرأة وتفاصيلها وجمالها ببعده الجسدي والشهواني عن القصيدة العربية؟ هل نقول إنه تعالي الشاعر العربي، حتى لو كان يصنف على أنه شاعر الجسد والغزل والتشبيب، تعاليه عن تعرية جسد المرأة أمام الآخر؟ وكأن المسألة تتعلق بتناقضٍ بين شبق الشاعر مع امرأته، وبين رغبته في (حجب) هذه المرأة عن المتلقي؟ إن ذلك منع الشاعر من إعطاء أنثاه بعداً حيايتا واضحاً يضاف إلى البعد الغائم أو البعد الروحي لها، أو على الأقل يحقق انسجاما بين المرأة وبين تهافت الشاعر عليها وتهالكه الشبقي أمامها وهو مما يظهر جلياً في القصيدة العربية…

أم نبحث عن السبب في مكان آخر؟ فنقول إن المرأة العربية في واقعها المعاش كانت امرأة غير مكشوفة الجسد، محجوبةً بطبيعتها ونظرا لكونها عضوا في مجتمع قبلي ذي منظومة أخلاقية لا تسمح لها ولا تقبل هي كذلك، أن تكون الخروج على النمط المعطى لها، لهذا لن تتكشف تفاصيل هذا الجسد إلا من خلال ما هو متاح ومتناغم مع الأخلاق القبلية والتي كرسها فيما بعد الدين. والمدقق في صورة المرأة سيرى أن الشاعر لم يقصر في التركيز على أي عضو مكشوف من جسدها، من هنا سنفاجأ بهذا الكم الهائل من الصور المتعلقة بعيون المرأة، وحركة مشيتها المتثاقلة من وراء ثيابها المتموجة على امتلاء جسدها. إنها امرأة محجبة في الواقع، لهذا حجبت في القصيدة. على أننا لا نبرىء بهذا تقصير الشاعر العربي على الصعيد الفني البحت، في مسألة الاقتحام وتكسير هذه الصورة،لأن الشاعر لا يقف عند المعطيات المسلم بها في الواقع، ويتجاوزها ويبتدع واقعا آخر يسهم في تثوير الصورة المألوفة للمرأة. لا سيما وأن هذا الشاعر العربي لم تكن تنقصه أبدا المقومات الفنية والجماليات الفذة في التقاط تفاصيل الجسد وتعريته جزءاً جزءاً، والمثال على ذلك ما كان يفعله في قصيدة الناقة، من وصف دقيق ومطول لكل ما يتعلق بجسد الناقة وجمالها. لقد ترك لنا الشاعر العربي صورة جميلة جدا عن الناقة، عارية مكشوفةً لا لبس فيها، وترك لنا بالمقابل صورة غائمة لا تفاصيل فيها عن المرأة. وربما من هنا جاء هذا المعجم الهائل من التشبيهات والاستعارات المأخوذة من جسد الناقة والمسقطة على جسد المرأة، كحالةٍ تعويضية عما احتجب من جسد المرأة. إذ نقل صفات جسد الناقة من حقله الواقعي الأصلي إلى حقلٍ آخر اكتسب من خلاله روحا جديدة وقدرة على التصوير.

هذا وقد يحق لنا السؤال بصورة ثانية وعلى مستوى آخر فنقول: لماذا لم نجد هذه المرأة في الشعر العربي إلا كما ذكرنا، بينما وجدناها متوفرةً بصورة أخرى ومختلفة في النثر العربي؟ هل كان النثر أقدر فنيا وجماليا على تلبية هذه الحاجة؟ من حيث أن مفهوم الشعر كان يقتضي التعامل مع المسائل بشكلٍ شمولي وكلي ومطلقٍ وليس بشكلٍ تفصيلي، الأمر الذي كان متاحاً للنثر الذي شكل غالبا خطا هامشيا مقصيا عن سلطة الخطاب الثقافي المطلقة؟ أقول وفي حدود معرفتي، إن هذا السبب ربما لم يكن بعيداً عن خلفية هذه المسألة، والتي شكلت ثغرة كبيرةً اكتشفها نزار قباني من خلال قراءته للشعر العربي عبر مصادره الكبرى، فأدرك الثغرة في نظرة الشاعر العربي إلى المرأة، فكان هو أول شاعر عربي، في زعمي، ينقل العلاقة مع المرأة في الشعر إلى فضاءٍ مبتكرٍ وأرضٍ غير محروثةٍ من قبل، مقترباً بذلك من المحرم الاجتماعي والفني في الوقت نفسه.

لقد أطاح نزار منذ تجاربه الشعرية الأولى – وهذا المهم، أي أنه وعى ذلك باكراً – بتمثال المرأة وأسقط عنها كل قناعٍ وحجابٍ ممكنٍ، ليظهرها على أنها جزء من حياتنا التي نعيشها ونعانيها، لا فكرةٌ قائمةٌ في مخيلتنا المكبوتة فقط. وبهذا اقترب من تفاصيلها ونثرياتها ولغتها اليومية، وكانت هذه الثورة بحاجة إلى مصاحباتٍ فنيةٍ تسهم في إنجاز قصيدةٍ ذات جمالياتٍ مختلفةٍ ومحرضةٍ، لذلك جاءت لغة نزار جديدةً ولا تخضع لا لمألوف المتلقي العربي العادي، وأعرافه المستقرة، ولا تخضع كذلك للنمط الشعري المتداول بين أوساط الشعراء.

إذا من هنا أشرنا إلى اقتحامه للمحرمين الاجتماعي والفني معاً، ولم يكن اقترابه من لغة الحياة اليومية والبعيدة عن المطلقات والكليات إلا سببا جوهريا من أسباب عداء المجتمع الذكوري المقدس في بعديه الديني والثقافي للشاعر، ولمغامراته التي قرب فيها لغة الشعر من لغة النثر، مكملا بذلك الوظيفة التي كان النثر العربي يقوم بها من توصيفٍ خارقٍ ومدهشٍ ومحرجٍ للجسد الأنثوي.

والمجابهة الاجتماعية العنيفة التي ووجه بها نزار قد تكون دليلنا على أن الشاعر العربي عندما يقترب من عراء المرأة وجغرافية جسدها كاملةً، فكأنه يخترق القانون الاجتماعي والديني، أو بتعبيرٍ آخر، كأنه يتجرأ فيعلن على الملأ تلك الصورة الحقيقية للمرأة التي نتستر عليها جميعاً. والمسألة في منشئها الفني تصبح على الشكل التالي: لقد أنزل نزار الشعر من عليائه وميتافيزيقيته وما ورائياته الضبابية المتعلقة بالمرأة والجسد، إلى الأرض ليلتقط لنا المرأة وهي على التراب وفي حياتها اليومية لا المرآة القائمة في ذهن الشاعر وتهويماته. وهذا كان يقتضي من اللغة الشعرية أن تتغير، وتبحث لها عن احتمالاتٍ أخرى جديدة لم تكن في حسابات الشاعر العربي. من هنا كان لا بد للغة الشعر أن تتوسل بلغة النثر من حيث قدرة هذا الأخير على تحقيق المهمة الجديدة للشاعر، وهي تحويل الموضوع المطلق إلى موضوع نسبي. أي ترحيل المرأة من هلاميتها إلى تعينها الملموس المحسوس لا على أنه نمط عمومي يشترك في تداوله الشعراء كلهم، بل على أنها امرأة تخص تجربة شاعر ما بعينه، وتمتلك ما يميزها عن امرأة تخص شاعرا آخر. وهذا ما لم يكن يحدث عبر تاريخ الشعر العربي كما أزعم.

وفي هذا الصعيد يمكن لي أن أسجل ريادةً للشاعر نزار في التفاته لتوظيف النثر في الشعر، وهي المسألة التي تنشغل بها الآن كتابات نقدية أو تجارب شعرية على رأسها محمود درويش، الذي أجد أنه يكمل بطريقته وحسب فرادة مشروعه الشعري ما كان نزار يفعله بكل عفوية من استثمار للنثر داخل القصيدة الشعرية، حيث رأينا في قصيدة نزار لأول مرة في اتلشعر العربي هذا الكم من التفاصيل اليومية الهامشية والدقيقة والتي تعيش في الظل والعتمة، في الوقت نفسه كانت قصيدة نزار تستحضر هذه التفاصيل دون كثيرٍ من البلاغة التقليدية العتيدة والمعهودة في الشعر العربي، لأنها بلاغة تتنافى مع طبيعة النثر اليومية. ولا ندري – أو لعلنا ندري – فربما كان هو الآخر – أي نزار – يكمل بوعي أو لا وعيٍ منه، مسيرة النثر العربي الذي تحرر من قيود العروض والإنشاد في البلاط والمحافل الدينية والرسمية.
والحقيقة أن المسألة عند نزار في كل الأحوال، لم تكن هوايةً يمارسها في أوقات الفراغ، أو خاطراً يرد على ذهنه أوقات القيلولة، بل كانت مشروعاً مركزيا في تجربته الشعرية، بحيث أزعم أن نزاراً قام على هذا الصعيد بثورةٍ حقيقية في الشعر، ثورة لـه فضل الريادة المطلقة فيها ولا ينازعه فيها أي منازعٍ.
لقد كسر نزار النمط الشعري المتكلس في تعامله مع المرأة بكل حياتها، جسدا وتفاصيل وأسراراً وتناقضات وخيانات وشبقا وشذوذاً، مما كان يتطلب منه كسرا للنمط الجمالي للقصيدة والمهيمن على ذهن المتلقي العربي. بحيث تم إخراج بلاغة الشعر وصورته ومجازه واستعاراه وتشبيهاته وكناياته ومعجمه، من منطقة إلى منطقة جديدة حديثة.

وإذا كان الأمر بحاجة إلى أمثلة فشعره كله أمثلة على ذلك. لأنها لم تكن كما قلت مسألة موضوعات يقترب منها بين مرحلة وأخرى، وإنما كان شعره قائما على هذه النظرة التجديدية. ومع ذلك، ومن أجل ضرورة القراءة النقدية، نستأنس بالأمثلة التالية:
يقول في أول ديوان له:
سيري.. ففي ساقيك نهرا أغان
أطرى من الحجاز.. والأصبهاني
بكاء سمفونيةٍ حلوةٍ
يغزلها هناك قوسا كمان
ويقول في ديوان آخر:
ألوان أثوابها تجري بتفكيري
جري البيادر في ذهن العصافير

ألا سقى الله أياماً معطرةً
كأنهن.. أساطير الأساطير

أين الزمان؟ وقد غصت خزانتها
بكل مستهتر الألوان معطور
فثم رافعةٌ للنهد.. زاهيةٌ
إلى رداءٍ، بلون الوجد مسعور
ويقول:
حبيبي
أخاف اعتياد المرايا عليك
أخاف اهتمامي بشكل يديك
أخاف اعتياد شفاهي
مع السنوات على شفتيك
أخاف أموت
أخاف أذوب
كقطعة شمعٍ على ساعديك
فكيف ستنسى الحرير
وتنسى
صلاة الحرير على ركبتيك
أضطر لذكر أمثلة مبكرة من تجربة الشاعر لأن النقلة النوعية الفريدة تحققت في مرحلته الأولى، ثم وفي المراحل التالية سرعان ما أصبح الأمر منجزاً وسمةً أساسية من سمات المشروع النزاري. الذي أصاب الشعر العربي بعدواه بطريقة أو بأخرى.
إن اللغة التي تعلن عن نفسها في الأمثلة السابقة هي لغة لن نجدها عند شعراء عاصرهم نزار في شبابه، ولو رحنا نقرأ في شعر صلاح لبكي وسعيد عقل على سبيل المثال لرأينا اللغة تتناول المرأة من علٍ وتتأبى على جسدها وتفاصيله، مكملة بذلك المعجم الشعري الموروث من مئات السنين.*
ويكفينا أن نستحضر قصيدة (المجدلية) لسعيد عقل، ونتفحص المرأة التي فيها، لنرى كيف يقف موضوع القصيدة الحقيقي وهو الأنثى الآثمة المجدلية، يقف على طرف نقيض من لغة التعبير التي استخدمها سعيد عقل، فمع أن موضوع (المجدلية) يحتمل كثيرا من الشغل على الجسد في بعده الحسي الشهواني، مع ذلك تعفف سعيد عقل عن أن يكون شعره حسيا شهوانيا يهتم بجسد المرأة التي يتخذ منها مادة لقصيدة جميلة ومتميزة.
الأمر لن يكون على هذا النحو مع نزار قباني، ونحن نختار سعيد عقل أنموذجاً نظرا لما يعنيه اسمه من دلالة شعرية ورمزية كبيرة ولا تضاهى، فاسمه يغنينا عن الاستشهاد بشعرات الأمثلة، ثم إن سعيد عقل هو الشاعر الذي تأثرت بدايات نزار قباني ببعض جماليات شعره ومعجمه اللغوي، ولكن نزاراً حدد خياره على النقيض من خيار سعيد عقل، على صعيد لغة الجسد.
وعبر هذه الثورة التي أشرنا إليها سنرى المرأة/الأنثى وقد انزاحت الضبابية عن وجودها، فأصبحت مرئيةً مكشوفةً بصورة لم يسبق لها مثيلٌ. ويمكن لي ربط ذلك بنزعة التمرد والثورة التي تبلورت وتأسست عليها شخصية الشاعر نزار قباني، التمرد الاجتماعي الثقافي من جهة، والتمرد الفني من جهة ثانية وهذا هو الأهم. وهو ما سوف نرى الشاعر يؤكد عليه مراراً. ولكن رأينا أنه يمكن تفريع ملاحظة نقدية عن هذا الجانب الفني في شخصية الشاعر، وهي تتعلق بارتباطٍ ما نراه قائما بين وضوح جسد الأنثى بتفصيلاته ومخفياته وأسراره، وبين موهبة الرسم التي كان نزار يمارسها وهو طفل، والتي يعترف هو بفشله في تطويرها كموهبة، مما اضطره لنقلها بصورة شعورية ولا شعورية إلى الشعر، فبدأ يعوض موهبة الرسم باللون بموهبة الرسم بالكلمات، الأمر الذي تطلب منه الدمج بين تقنيتي اللغة المكتوبة واللغة الملونة في الوقت نفسه. فالرسم يأخذ الشاعر إلى جهة التفصيلات الدقيقة والمنحنيات المرئية واللامرئية في جسد المرأة، ويملي عليه استخدام خطاب اللون حتى آخر طاقة ممكنة، مما استوجب كذلك أن يظهر المرأة بألوانها من أظافر قدميها حتى ضفيرتها مرورا بألوان ثيابها الداخلية من مايوه وحمالة نهد إلى آخر التفصيلات والموجودة بغزارة في شعره.فأصبحنا نرى للمرة الأولى أشياء المرأة ومشاعرها وأسماءها وهي ملونة. حتى أنني أستطيع إعطاء نزار ميزة استخدام اللون على الطريقة الرمزية بحيث يوحي كل لون بمسألة حسية أو وجدانية معينة. إن النهد عند نزار يبدو تارة نهدا فلياً وتارة حريريا، وتارة ثالثة أسمر،ومرة أخرى ذهبيا. كما نرى عنده الشفاه ليست فقط قرمزية أو خمرية بل قد تكون شفته هو كالمزارع الخضر (وهذا استخدام جديد وفريد للون الأخضر في علاقته بشفاه الرجل)!. كما نرى عنده الدمع أسود والمطر أسود، أو الضوء الأسود في العين الإسبانية، أو نرى شوارع غرناطة في الظهيرة حقولاً من اللؤلؤ الأسود، ونرى الثلج أسود والسماء سوداء، حتى أنه يرى الجسد الخمري أسود! ونرى صوت المرأة أبيض وكلامها أبيض وشعورها أبيض. ويقول لها في موقع آخر ( أنت لي رحمة من الله بيضاء). وقد نرى عنده الصوت أزرق، والدم بنفسجيا والبحر شالاً بنفسجيا. وقد ترقص الكلمات عنده بأثواب مختلفة من اللون الأحمر إلى الأصفر. وقد تغزل يد الأنثى شمعا أصفر.
ارتبط تلوين الجسد وأشيائه وأحاسيسه عند الشاعر بعلاقات حسيةٍ شبقية مع الجسد كان اللون يقوم بوظيفة فعالة في صياغة هذه العلاقات.وهو بذلك لم يكن يتوهم الأنثى أو جسدها، إذ أنه لم يتعامل معها من خلف حجاب، بل فاجأها وهي في أدق وأحرج الأماكن والوضعيات مسلطا عليها كل ما يملك من ضوء فاضح ومتلونٍ…
وأريد أن أشير هنا إلى عدد من النقاط تتعلق بالمرأة في شعر نزار قباني، وهي نقاط اعتدنا أن نراها ملتبسةً على النقد الذي توجه إلى شعر نزار وما يزال حتى هذه اللحظة تلتبس عليه الأمور.
1ـ لم يكن نزار في هذا الاستخدام الفاضح للمرأة/الأنثى يقلد أحداً من شعراء العرب القدماء، ولا يمكن للمدقق أن يرجع شعره إلى أي شاعر بعينه في التراث العربي، فما كان يصنعه كان جديدا بصورة مطلقة في ظني، وكان هو مدركا لذلك، رافضا في عدد كثير من المواقع في شعره ونثره أن يحيله النقد أو القراء إلى أي شاعر عربي، خاصةً عمر بن أبي ربيعة الشاعر الذي اعتاد النقاد على إرجاع شعر نزار إليه.فعلى سبيل المثال يقول:
إنني لم أرث حبيباتي
عن عمر بن أبي ربيعة
ولا عن سواه من الشعراء الغزليين
فأنا أعجن نسائي بيدي، كفطائر العسل
وأسبكهن في مختبري، كدنانير الفضة
ويقول في كتاب (عن الشعر والجنس والثورة):
(( أرفض القول أنني أنقل عن الذاكرة الشعرية العربية، أو أية ذاكرة أخرى. إنني بهذا المعنى شاعر مصابٌ بفقدان الذاكرة. منذ بداياتي حاولت أن أخرج على الأنموذج الشعري العام في الغزل العربي. فمن خلال قراءاتي الشعرية تنبهت إلى شيءٍ خطيرٍ، وهو أن كل الحبيبات في الشعر العربي هن واحدة. إن حبيبة جرير هي نفسها حبيبة الفرزدق، وحبيبة أبي تمام، وحبيبة الشريف الرضي، وحبيبة أحمد شوقي، وخليل مطران، وسامي باشا البارودي. ومقاييس المرأة الجسدية كانت هي الأخرى واحدة. والانفعال بجمال المرأة كان دائماً صحراويا، بمعنى أن أمير الشعراء شوقي لم يستطع أنه يتحرر، وهو في باريس، وإسبانيا، وجاردن سيتي، والزمالك، من رنين خلاخيل البدويات ووشمهن، وكحلهن، وأوتاد خيامهن.
كانت هذه الحقيقة ترعبني، لذلك أردت أن أدخل إلى الشعر العربي من بابٍ آخر، وأن أطرح عشقي الخصوصي على الورق دون استعارة عشق الآخرين.الحب الذي كتبت عنه ،هو حبي أنا، ومعاناتي أنا، والأبجدية التي اعتمدتها في الكتابة عن هذا الحب هي أبجديتي أنا. إنني أول شاعر دخل إلى غرف الحب الضيقة، ورسم أشياء العشق المعاصرة بدقة عدسة تصوير. وأنا أول من أدخل تفاصيل العشق اليومية في الشعر (الجرائد، الكتب، الستائر، منافض الرماد، أدوات الزينة المعاصرة، المقهى، المرقص، ثياب الاستحمام، العطور، الأزياء…الخ) ومن هنا أعترض على كلمة ذاكرة، لأنني، على حد تصوري، كنت أحاول أن أسجل علاقات الحب في عصري، بطريقتي الخاصة، بحيث اتفق أكثر من ناقد على القول: إن شعري هو وثيقة اجتماعية للحياة العاطفية بين الجنسين خلال الثلاثين سنة الأخيرة))
2ـ عندما كشف نزار عن جسد المرأة واقترب من حالات هذا الجسد الإنسانية كما هي على أرض الواقع من جنس وعواطف مكبوتة أو معبر عنها إلى شذوذ وقمع عاطفي إلى أمومة وخيانة ودعارة… الخ، فإنه لم يكن ليقدم نفسه على أنه شاعر إباحي. بمعنى أنه إذا أباح استخدام اللغة الجسدية الجريئة والمقتحمة لأبواب الطوطم الجنسي والاجتماعي فإنه لم يكن يبيح جسد المرأة، بل سأقول إنه ليس في شعره جملة واحدة أو موقف واحد ولو كان عابراً يدل على أنه شاعر إباحيٌ، وهو لا يحقق ـ فيما كتبه من عراء وشبق وجنس وحب ـ شروط الأدب الإباحي. إن هناك في العمق والجوهر فرقا أساسيا ومحوريا بين خطاب الجسد الجريء والصريح وبين استباحة هذا الجسد، بل على العكس إن نزارا في غيرته على المرأة/الأنثى الحبيبة والصديقة يظهر أنانيا وشرسا في الدفاع عنها له وحده. وإذا كان شعره يدخل في باب الأدب الجنسي فليس كل ما هو جنسي إباحيا أبداً.
3ـ المرأة في شعر نزار ليست رمزاً لأي شيء. والذي يحدد وجودها وقيمتها في القصيدة ليس شيئا خارجاً عنها أو ملحقا بها. وهو لم يتكىء على المرأة كعكازة فنية ليحملها رموز الوطن والثورة والمستقبل الثوري، بل جعلها تقول نفسها بنفسها مستقلةً عن أية تبعية لمرجعيات مضافة. والمرأة الرمز في الشعر العربي بعامة والسوري بخاصة – ولا سيما في مرحلتي الستينيات والسبعينيات – أصبحت تعني الابتعاد عن الأنوثة الحقيقية والنأي عن بنية المرأة المكتفية بذاتها وبعوالمها ورموزها. إن المرأة في هذا الشعر السوري بخاصة فاقدةٌ لطبيعيتها وأريحيتها وكرامتها، لا يكترث الشاعر بكيانها وحرية شخصيتها، فينظر إليها دائما مرتبطة بالوطن والأرض والاحتلال.
وأجد أن الشعر العربي الحديث في هذه المرحلة وفي علاقته بالمرأة، عاد عودةً مريعة إلى صورة المرأة التي أشرنا إليها في حينه، في القصيدة العربية في التراث القديم، وهذه ازدواجية غير مقبولة في رؤية الحداثة، ففي الوقت الذي نخرج فيه على الشكل الخارجي للقصيدة؛ نجد أننا نقلد القصيدة القديمة في طمسها لملامح المرأة / الأنثى، مع أن الظروف الاجتماعية اختلفت وانقلبت جذريا، ولكن يبدو أنه تغيير وانقلاب تناولا سطح المجتمع لا عمقه، فليس ممكنا غض النظر نق

 

View Comments (1)

Close Post

انتقاد لمسلسل نزار قباني بقلم : شمس الدين العجلاني

استحلفكم بالله، أن تتابعوا مسلسل نزار قباني علي الشاشة السورية، لتحكموا بأنفسكم ما هذا الذي نشاهده، هل هو نزار قباني؟ ذلك الدمشقي من رأسه لأخمص قدميه؟ ذلك الدمشقي الذي جاب أنحاء المعمورة ينثر الورد الدمشقي، في عواصم العالم، (أربعون عاما احمل مآذن دمشق علي كتفي وأطوف بها حول العالم، ولسوف أبقي حاملا مآذن دمشق وأنهارها، وأشجار خوخها وتفاحها ورمانها وعنبها حتي آخر لحظه في حياتي) ويدق الأبواب الموصدة ليقول : إن صناعة دمشق الأساسية هي العروبة وهذه الصناعة الدمشقية قديمة جدا .. ومشهورة جدا وجميع القوميين العرب خرجوا من رحمها وتتلمذوا عليها .
استحلفكم بالله، أن تتابعوا المسلسل الذي يعرضه التلفزيون السوري هذه الأيام والمسمي زورا وبهتانا (نزار قباني) ليتبين لكم انه ليس له علاقة من قريب أو بعيد بدمشق أو بطفلها نزار قباني، فمن الحلقات التي عرضها التلفزيون السوري حتي كتابة هذه السطور نستطيع إبداء الملاحظات التالية والتي أرجو أن يتسع صدر من يلزم لاستيعابها لأننا أولا وأخرا نتحدث عن دمشق نزار قباني وليس لنا غاية أخري، وكم كنا نتمني أن تتواصل جهود الجميع لإخراج هذا المسلسل بما يليق بابن دمشق البار نزار توفيق قباني:
إن الأجواء العامة في المسلسل بعيدة عن دمشق شكلا ومضمونا، دون أن ننسي الاداء الرائع لاصالة نصري في شارة المسلسل، والموسيقي التصويرية التي رافقت الأحداث، ولكن لم يوفق الفنانون بتجسيد الشخصيات الدمشقية في المسلسل باستثناء صباح الجزائري، فمثلا شخصية توفيق قباني لم ترق إلي تجسيد ذلك الرجل الدمشقي العتيق، لا صوتا ولا صورة، والمسلسل صور لنا توفيق قباني افندي وبس، ودائما متواجد في البيت، بينما يقول لنا نزار عن والده بأنه: (إذا أردت تصنيف أبي، اصنفه دون تردد بين الكادحين، لأنه انفق خمسين عاما من عمره، يستنشق روائح الفحم الحجري، ويتوسد أكياس السكر، وألواح خشب السحاحير .. أني لأتذكر وجه أبي المطلي بهباب الفحم، وثيابه الملطخة بالبقع والحروق) هكذا كان والد نزار، وكان من الأجدي أن يقوم بهذا الدور طلحت حمدي لأنه اقرب شكلا ولهجة لوالد نزار، أما شخصية نزار الشاب فلم استطع أن الحظ أو يلفت نظري أو أي شيء أخر يوحي لي أن هذه الشخصية دمشقية، بل علي العكس تماما فقد نطقت هذه الشخصية بعدة كلمات تؤكد أنها غير دمشقية، وبالرغم أن نزار قباني كان مغرما باللهجة الشامية وادخل مفرداتها من خلال كتاباته (يعرش ـ طشت ـ يهرهر ـ ترش ـ يخرطشون) برغم ذلك لم نستطع أن نسمع هذه اللهجة الشامية في شخصية نزار قباني اللهم سوي كلمة (عروس( (الحلقة 2) والمقصود بها (سندويشة).
لقد أغرقنا المسلسل بجزئيات ليس لنا بها، فالحلقة الثانية والثالثة تقريبا كانتا حول إصابة عين نزار قباني، فهل هذه الحادثة تستاهل حلقتين؟وهل كان أهل دمشق يضعون المتوفي بثيابه البيضاء ووجهة مكشوف في التابوت، كما حصل في الحلقة الرابعة حين توفيت وصال؟ وطالما الحديث عن وصال الشقيقة غير الأخت لنزار قباني نتساءل لماذا لم يوضح المسلسل الأسباب التي أدت إلي وفاتها، ولا يكفي قولهم لأنها لم تستطع أن تتزوج من تحب، فقد استطاع المسلسل أن يدخلنا في أدق الجزئيات في حياة نزار قباني كما يزعمون وان يذكر لنا عشيقات نزار في السر والخفاء من هويدا إلي صاحبة حرف اللام وأمها، وزبيدة وهند وآمال والشغالة نعيمة في القاهرة التي كانت ترمي شباكها للشاب القادم من الشام و.. فالذي استطاع أن يحصي عدد العشيقات والحديث الحميم الذي كان يدور بين العشاق، يستطيع أن يعلمنا ولو شيئا بسيطا عن قصة وفاة وصال. وحسب ما قرأنا لابنته هدباء بأن جدتها (أي والدة نزار) كانت تنادي لنزار (نزوري) علي سبيل الدلع، وليس نزار الصغير (الحلقة الرابعة)، وكما قرأنا ايضا لنزار وأهله فان نزار (ليس لديه مصادفات في الكتابة ولا ارتجالات في قول الشعر، فحركة الشعر عنده كحركة الكواكب في السماء، تخضع لنظام دقيق وسرمدي) وبالتالي حسب ذلك لم يمارس نزار الكتابة وهو مستلقي علي السرير أو مبطوح علي الحشائش في إحدي الحدائق (الحلقة 4 و 6)، وحين أصدر نزار ديوانه الأول (قالت لي السمراء) يزعم المسلسل أن توفيق قباني يتهجم علي ولده نزار لإصداره هذا الديوان ومما يقوله له انه (يخدش الحياء .. هو ديوان شيطاني) بينما قرأنا لنزار قباني انه اعد ديوانه الأول (قالت لي السمراء) للطباعة وذهب إلي أم المعتز وقال لها لدي ديوان شعر وأريد مبلغ 300 ليرة سورية لطباعته فخلعت اسوارتي الذهب من يدها وأعطتهما له ليطبع كتابه. وبعد أن نشر ديوان الشعر وظهرت أصداؤه في الحارة جاء وجهاؤها إلي أبو المعتز يشكون ابنه نزار علي هذا الديوان ويسجلون اعتراضهم عليه وضرورة إتلافه ومنع نزار من التعاطي مع هذه الأشياء (الشعر). انتظر الوالد توفيق قباني ابنه نزار لحين عودته إلي البيت، فسأله، هل صحيح انك كاتب كتاب شعر عن المرأة والناس في الحارة قايمين عليك، فقال له نعم، وطلب أبو المعتز الديوان ليطلع عليه ومن ثم يقرر ماذا سيفعل، وبعد أيام استدعي ابنه نزار وقال له: لا يهمك ما يقولونه في الحارة واستمر وأنا أتدبر الأمر مع أهل الحارة. ولم يقل له أن هذا الديوان يخدش الحياء و.. ؟ والاهم من هذا وذاك أن الذي قدم نزار للعالم وتنبأ له أن يكون مثل بودلير وفيرلين والبير سامان وغيرهم من أصحاب الشعر الرمزي والشعر النقي. هو الأستاذ الجامعي والنائب الدمشقي والوزير منير العجلاني. فحين أراد إصدار ديوانه الأول (قالت لي السمراء) وكان طالبا في كلية الحقوق بجامعة دمشق، تقدم بحياء من الأستاذ في كلية الحقوق والنائب والوزير الدمشقي بطلب يرجوه فيه أن يقدم له ديوانه الأول، وبرغم ما ضمه هذا الديوان من تمرد وتغيير في شكل ومضمون القصيدة العربية المتوارثة، حيث ادخل الشاعر ألفاظاً وصوراً تناول من خلالها المرأة بأسلوب جديد وغير مألوف، فقد قدم العجلاني الطالب نزار قباني للعالم وكتب مقدمة (قالت لي السمراء) وصدرت الطبعة الأولي منه وبكمية 300 نسخة في أيلول (سبتمبر) 1944 ومما جاء في مقدمة العجلاني لقباني:
(وكأني أجد في طبيعتك الشاعرة روائح بودلير وفيرلين والبير سامان وغيرهم من أصحاب الشعر الرمزي والشعر النقي… لا أسألك… لا أسأل الله إلا شيئاً واحداً، أن تبقي كما أنت، طفلاً يصور.. ويعشق.. كأنه ملاك يمشي علي الأرض ويعيش في السماء… إنك تمر مرور الموكب الملكي أو الملائكي) ويتنبأ الدكتور العجلاني في تقديمه لهذا الديوان أن يتبوأ نزار قباني أعلي مراتب الشعر فيقول: (ومن يدري لعل القدر يخبئ لنا فيك شاعراً عالمياً تسبح أشعاره من بلد إلي بلد وتمر من أمة إلي أمة). وتحققت نبوءة العجلاني وسبحت أشعار نزار من بلد إلي بلد وستمر من امة إلي امة .. ونزار حفظ للعجلاني موقفه هذا فكتب له بعد أعوام طويلة من إصدار (قالت لي السمراء: ( (الآن وقد قدر لهذه الدفقة من الشعر التي جعلتها بتقديمك لها، تورق وتزهر .. أن تمر علي أنامل الناس. الآن وقد صار شعري ملكا لغيري .. أعود إليك لأقول لك بأنك أنبل من ولدته أم، وبان هذا الجميل الذي قدمته يداك لي لا املك ردة، لأنك علي كل حال اشعر مني و لان كل هذا الشعر الذي تقرأه الدنيا عني أن هو إلا تقدمة نثرية لتقدمتك الشعرية).
تشير الحلقة السادسة أن نزار تخرج من الجامعة وعمره 20 سنة بينما الذي نعرفه من خلال قراءة سيرة نزار انه حصل عام 1945 من الجامعة السورية في دمشق علي الليسانس في الحقوق، ونزار مواليد 1923 أي انه تخرج وعمرة 22 عاما ..
وفي الحلقة السابعة يعطي نزار قباني والده أبو المعتز درسا في مباديء السياسة .. ؟ برغم أن نزار يصف والده بأنه (يصنع الثورة) ويعقد الاجتماعات السياسية في منزله، وانه كان من أولئك الرجال التجار والمهنيين وأصحاب الحوانيت الذين يمولون الحركة الوطنية، ويقودونها من حوانيتهم ومنازلهم .. فهل يعقل ان رجلا وطنيا يعمل في صناعة الثورة بحاجة لدرس في مباديء السياسة من ابنه .. ؟ وهل من المعقول أن يغلق هذا الدبلوماسي المدلل باب السيارة لسعادة السفير وكأنه احد مرافقيه (الحلقة السابعة) .. والشيء المدهش أن نزار قباني في هذا المسلسل يستطيع القتال (كأفلام جيمس بوند) حين يقتحم العوامة وينقذ حبيبته لميس من (الحشاشين) تماما كفريد شوقي، فبضربة (بكس) واحدة يرمي الشرير في نهر النيل، وينقذ البطلة .. ؟
استحلفكم بالله، أن تتابعوا المسلسل الذي يعرضه التلفزيون السوري هذه الأيام والمسمي زورا وبهتانا (نزار قباني).
وأرجو ممن يهمه الأمر أن يأخذ ملاحظاتي هذه بروح رياضية، لأنني مثله تماما اعشق دمشق، واضع نفسي في قائمه عشاق نزار قباني..و أنني أدعو لوقف التعدي علي دمشق نزار قباني ..

 

View Comments (1)

Close Post

الموت والولادة

لماذا هو الشاعر الوحيد الذي عندما تقرأ كلماته أي امرأة تشعر بأنها هي التي تتكلم؟ ولماذا يحمل نزار لقب”نصير المرأة”؟ لماذا عاش ومات يدافع عن النساء؟ هو نفسه لا يدري, ويتساءل :” هل كان موت أختي في سبيل الحب, أهم العوامل النفسية التي جعلتني أتجه الى الكتابة عنها وعن مشاعرها واحساسها؟ هل كان ذلك تعويضا لما حرمت منه أختي؟
وعلى جسد المرآة, صعد نزار قباني رقيقا, مثل الفراشة الهامسة:

“حبك ياعميقة العينين
حبك مثل الموت أو الولادة
صعب أن يعاد مرتين”

وكان يخرج من رقته أحيانا ليدخل المجال الذي يحلو للآخرين أن يصفوه بالفحش وهو داخله ومع هذا, كانت لنزار قباني آراء سياسية شديدة العمق. فرأيه أن مشكلتنا في العالم العربي هي التخلف وسيادة التفكير الضيق ودبلوماسية الوساطة والتوكيلات وعن سلوكنا السياسي العربي يقول نزار:” ان سلوكنا السياسي هو مجموعة من السلبيات وسلسلة طويلة من الجبرية والقدرية, محاولة لدفع المسؤولية عن ظهورنا, وربطها بعوامل وقوى خاريجة لا قدرة لنا على دفعها أو ردها

 

View Comments (1)

Close Post

المدلل

مر بالشعر العربي كثيرون, وكثيرون منهم عباقرة و”فطاحل” في عالم الشعر غير أن واحدا فقط, أثار من الضجيج والحب والكراهية والاعجاب والرفض, ما لم يثره الآخرون
حيث توفي في الثلاثين من أبريل ( نيسان ) في عام 1998
وترك لنا 35 ديوانا وكتابا, من أجمل ما كتب في الشعر العربي, وشجون الانسان العربي
عرف نزار قباني في شرق الوطن العربي وفي غربه, وقرأ له رجال ونساء, وأعجب به صغار وكبار, وصارت دواوينه مثل روايات احسان عبد القدوس, مما يزرع في المخدة أو يهجع في السرير

**المدلل**

ولد نزار قباني سنة 1923, في” مئذنة الشحم” في دمشق, ليعيش طفولته مدللا بين اخوته, في منزله الدمشقي الأصيل, وهو من البيوت الشامية القديمة, ويتكون من طابقين, أحدهما باحة مكشوفة مصنوعة من الرخام والأعمدة الرخامية, التي يتسلقها الياسمين الأبيض والورد الأحمر وفيها شجر الليمون, وفي منتصف الباحة نافورة مياه

نشأ نزار في هذا الجو الرومانسي الجميل, تربطه بأمه علاقة حميمة. فقد ظلت ترضعه من صدرها حتى بلغ السابعة من عمره, وتطعمه الطعام بيدها حتى بلغ الثالثة عشرة من عمره, حتى قالوا عنه انه يعاني من عقدة “اوديب” عاشق أمه, حتى أن بعض العلماء النفسيين أخذ يطبق علم النفس على شعر نزار, ويرى أن سر استعماله كلمة “نهد” هو طول فترة رضاعته

وعندما كان في الثالثة عشرة من عمره كان ضيوف أبيه يسألون: “ماهي اهتمامات نزار؟” فيجيبهم والده بكل بساطة :”ابني يريد أن يكون شاعرا” فيتغير لون سائليه, ويتصبب العرق البارد من جباههم ويلتفتون الى بعضهم قائلين: “لا حول ولا قوة الا بالله..قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا ،لكن نزار لم يبدأ حياته شاعرا بل بدأ بأشياء فنية أخرى مثل الرسم, وكان مولعا بالألوان ويصبغ الجدران بها. وأدرك أن لن يكون رساما عبقريا, فقرر أن يجرب الموسيقى والتلحين, فأحضر عودا وطلب من أمه أن تأتي له بأستاذ يعلمه العود والموسيقى. وبدأ يتلقى دروسه الموسيقية. لكن الأستاذ بدأ معه بطريقة غير موفقة, فقد بدأ يعلمه النوتة الموسيقية, وهي علم مثل الرياضيات, حسب قوله, وهو يكره الرياضيات

 

View Comments (0)

Close Post

العمل الدبلوماسي

تخرج نزار سنة 1945 من كلية الحقوق في جامعة دمشق, ثم التحق بوزارة الخارجية السورية, وانتقل في العام ذاته الى القاهرة موظفا دبلوماسيا في السفارة السورية. وكان عمره انذاك 22 عاما, وكانت القاهرة في ذروة نضجها الثقافي والصحافي والاذاعي, وكان نزار يحمل في جعبته ديوان شعر جديد اسمه خارج عن المألوف في عالم الكتاب وهو “طفولة نهد”. وكانت صياغته الشعرية غير مألوفة أيضا في ذلك الزمانقدم نزار الديوان لثلاثة من نجوم الفكر والصحافة والنقد, هم : توفيق الحكيم, وكامل الشناوي, وأنور المعداوي, الذي تحمس للشاعر الشاب, فكتب مقالا نقديا عن الديوان وحمله الى أحمد حسن الزيات, صاحب مجلة “الرسالة” المصرية. ولما كانت “الرسالة” كجلة محافظة, نشر الزيات نقد المعداوي, لكن بعد أن غير عنوان الديوان من “طفولة نهد” الى “طفولة نهر”, فقال نزار تعليقا على هذا: “وبذلك أرضى (حسن الزيات) صديقه الناقد أنور المعداوي وأرضى قراء الرسالة المحافظين, الذين تخيفهم كلمة النهد وتزلزل وقارهم, ولكنه ذبح اسم كتابي الجميل من الوريد الى الوريد
وهكذا شهدت القاهرة ميلاد شاعر انطلق في بيئة تحفل بطه حسين, وعباس محمود العقاد, وعبد القادر المازني, وعبد العزيز البشري, وأحمد أمين, وبشر فارس, ودريني خشبة, وأحمد حسن الزيات, ومصطفى صادق الرافعي, ومحمود حسن اسماعيل, وبيرم التونسي, وابراهيم ناجي, ونجيب محفوظ, ويحيى حقي, وعزيز أباظة
وهكذا تعود على مصر وتعودت مصر عليه وصارت تعتبره واحدا من شعرائها أو من أولادها. لكن حياة الدبلوماسيين لا تستقر بهم, فانتقل نزار الى العمل في عدة عواصم بعد القاهرة, منها: أنقرة ولندن ومدريد وبكين وبيروت وظل نزار يعمل في الخارجية السورية أكثر من 20 عاما, حتى استقال منها عام 1966, وأسس دارا للنشر باسمه في بيروت, متفرغا بذلك لقراره الوحيد, وهوالشعر

 

View Comments (0)

Close Post

الشاعر نزار قبّاني.. شاعر ظل يرسم عالمه والحياة بالكلمات

“في فمي يا عراق ماء كثير كيف يشكو من كان في فيه ماء” نزار

مقدمة

الشاعر نزار قباني الذي ملأ الدنيا وشغل الناس في النصف الثاني من القرن العشرين .. ولم تزل اشعاره ورسومه وصوره والوانه تنتشر في كل مكان من ثقافتنا العربية وقد نقلها جيل الى جيل . نعم ، لقد كان نزار قباني قد رحل فجأة وهو يقيم في لندن يوم 30 ابريل 1998 .. واذا كان نزار قد رحل رحلة نهائية ، فان تراثه الادبي سيبقى الى جانب تاريخه الادبي والفكري على طول الزمن . ويسرني بهذه ” المناسبة ” ان استعير من كتابي ( نسوة ورجال : ذكريات شاهد الرؤية ) الفصلة من ذكرياتي عن نزار قباني وقد كنت قد اسميته : شاعر الرسم بالكلمات الرائعة . لقد كتبت اقول عنه : اولا : شاعر التناقضات العربية

شاعرية نزار وثقافته

لقد خلق نزار قباني على امتداد حياته المليئة بالتناقضات جملة من الأزمات الفكرية والأدبية .. انه المعبر الحقيقي عن تناقضات خطاب العرب في النصف الثاني من القرن العشرين . انه الشاعر الذي نسف بكل جرأة وشجاعة جملة من البنى التقليدية التي ألفها الناس في تفكيرهم وتقاليدهم الاجتماعية منذ أزمان طويلة .. كان شاعرنا حرا ومتمردا في ما يقوله بشأن أهم ما شغل البال العربي ، والتفكير ، والجوارح ، والمشاعر والأحاسيس .. من جانب وكل المحرمات والمنكرات والحلال والحرام من جانب آخر .. موضوع المرأة الذي وجد نزار فيه ضالته ، واعتبره الاهم في هذا الوجود ! لم يقدم نزار المرأة باعتبارها إنسان مثل أصناف البشر ، بل ليعرضها في فاترينة ويبقى يجملها بالمساحيق والألوان وينادي الآخرين إليها مع كل أوصافه الرائعة فيها والتلذذ بما يطلقه من تعابير عن جسدها .. مستلهما كل تراثات أسواق النخاسة التي كانت مزدحمة ورائجة البضاعة في ماضينا المتعب !
انني اعترف أن للرجل شاعريته التي لا يختلف حولها اثنان ، وعندما يسمعه الناس تطرب أسماعهم وتهفو قلوبهم ، خصوصا ، وانه امتلك قدرة رائعة في الإلقاء الشعري الذي يأسر القلوب ! إنني لا أريد أن أكون ضد الرجل وقد غاب عنا ، فلقد حكيت له كيف اقيم له تفكيره ! صحيح انه جادلني في البداية ، ولكنه بدأ يحترم آرائي لأنه عرف إنني من المؤمنين بحرية الإنسان وتنمية قدراته وتفكيره واستقلالية إرادته . وكان نزار ينتشي جدا عندما يسمونه بـ ” شاعر المرأة ” . والحق يقال ، بأن نزارا في قصائده الوطنية وأنشوداته القومية ومواقفه النقدية الساخرة وفي العديد من مقالاته التي نشرها في سنواته الاخيرة في ركن من جريدة الحياة المعروفة ، كان مثالا للمثقف العاشق ليس للمرأة حسب ، بل لترابه واوطانه لولا جملة التناقضات التي وقع فيها كأي شاعر عربي متمرد في هذا الوجود.

كلمات عن تكوين نزار وحياته

ولد نزار بن توفيق قباني آقبيق في 21 / 3/1923 في عائلة متوسطة الحال ـ حسب قوله ـ ، وفي بيت عادي يقع في حي مئذنة الشحم في القيمرية بدمشق ، ونشأ فيها :ان أبوه يصنع الحلويات ويعتاش منها .. ويقال ان عمه هو الفنان ابو خليل القباني رائد المسرح السوري الحديث ، ولما لم اكن متأكدا من ذلك فلقد سألت نزارا عن صلته به ، فاجابني بأن أبا خليل القباني. هو عم والدتي و شقيق جد والدي.. تخرج نزار في الجامعة السورية بشهادة في الحقوق العام 1944، ولكنه لم يمارس القانون ولا المحاماة ولا القضاء ، بل خدم في السلك الدبلوماسي السوري للفترة 1945-1966.. وتنقل ما بين القاهرة ، وأنقرة ، ومدريد ، وبكين .. كتب الشعر منذ مطلع شبابه مذ درس في الكلية العلمية الوطنية بدمشق وفيها التقى استاذه خليل مردم بك الذي أخذ بيده ودفعه وشجعه ونشر ديوانه الاول ” قالت لي السمراء ” على نفقته الخاصة وهو طالب في الحقوق.. وخرج عن التقاليد والاطواق متمردا عليها ، اذ ثار عليه بعض رجال الدين وطالبوا بقتله عام 1945 اثر نشره قصيدة ( خبز وحشيش وقمر ).. استقر في بيروت بعد ان آثر الشعر وترك الوظيفة التي قيدته لسنوات طوال تقدر بقرابة عشرين سنة .. اصدر عدة دواوين تصل الى 35 ديوانا كتبها على مدى نصف قرن ، وله عدة كتب نثرية . أسس دار نشر لأعماله في بيروت تحمل اسم منشوراته. غنى المطربون عدد من قصائده ، ومنهم: ام كلثوم ونجاة وعبد الحليم وفايزة وفيروز وكاظم وماجدة وأصالة وغيرهم . حكى لي انه كان يزور العراق دوما ويلتقي فيه بأبرز المثقفين والادباء العراقيين .. وفي بغداد التقى الآنسة بلقيس الراوي وتحابا الى حد العشق ، ولكن اهلها منعوا زواجهما ، فافترقا وتزوج للمرة الاولى زوجته الاولى ، وهي ابنة عمه زهراء آقبيق التي رحلت عنه ، وله منها ولد وبنت ، توفي الولد توفيق وهو شاب في مقتبل العمر عندما كان يدرس الطب بالقاهرة .. وشاءت الصدف ان يلتقي بلقيس ثانية بعد سنوات فتحقق حلمهما وتزوجا وعاشا معا ، وله منها ولد وبنت ، وجاء مصرعها عام 1982 اثر تفجير السفارة العراقية ببيروت وكانت تعمل فيها ، فكان ذلك صدمة عنيفة عنده وآثر التنقل في باريس وجنيف واستقر في لندن التي عاش فيها الاعوام الخمسة عشر الاخيرة من حياته… لقد تلقى نزار عدة صدمات قوية في حياته الخاصة ، منها رحيل والدته وهو طفلها المدلل ، ووفاة اخته وصال بمرض القلب ، وانتحار اخته هدباء التي زوجوها برجل لا تحبه ، ومصرع ولده الشاب توفيق ، ورحيل زوجته الاولى ابنة عمه على اثر مرض .. ومقتل زوجته الثانية بلقيس ..كما وشكلت السنوات الاخيرة من حياته صخبا من المعارك والجدل والقصائد السياسية الساخنة وخصوصا في عقد التسعينات من القرن العشرين. وقد قاوم مشروعات السلام والتطبيع مع اسرائيل وعبر عن ذلك في قصائده الشهيرة: المهرولون ، والمتنبي ، ومتى يعلنون وفاة العرب .. الخ . توفي في لندن يوم 30 /4/ 1998 ودفن في دمشق وترك اشعاره يرددها الناس.

كيف عرفت نزارا ؟

كنا ثلة من المراهقين في أروقة الاعدادية ( متوسطة المثنى ) بمدينة الموصل. شباب عند مطلع حياتهم لا يهجعون ولا يهدأون ابدا لا في الليل ولا في النهار ، ونحن في مرحلة حساسة وحرجة جدا في اواسط عقد الستينيات . كنا نقرأ الكتب في الليل ونطالع المجلات ونكتب الاشعار في اويقات النهار .. لم اكتشف نزار في مكتبة بيتنا الغنية والمكتنزة برغم محبة اسرتنا للشعر والشعراء ، ولكنني اكتشفت نزارا من خلال ديوانه ” الرسم بالكلمات ” الذي كان مدرسنا في الجغرافية واسمه الاستاذ طارق فضل قد حمله معه يوما ، وكان يعشق نزار وأشعاره على عكس استاذنا في العربية الاستاذ عبد النافع الحكيم المشهور بسيدارته العراقية وهو يتأبط قاموسه كل الاوقات ، ومن كثرة اعتزازه بالقاموس دعونا بـ ” قاموس افندي ” !.. تذكرت قصيدة ” أيظن ” التي يقدمها نزار بنفسه تلفزيونيا ويقرأها قبل ان تشدوها المطربة نجاة الصغيرة على شاشة التلفزيون بالأبيض والأسود ! بدأت اهتم شيئا فشيئا بأشعار نزار.. كنت أخشى من والدي ـ رحمه الله ـ أن يعنفني إذا ما اكتشف أنني اقرأ مثل تلك الأشعار! ولكنه لم يقل شيئا لي عندما اكتشف ذلك ، وكان رجلا مثقفا ومستنيرا وانه رسم ابتسامة خفيفة على محياه ، وقال : لابد أن تقرأ المعاني وتتحسسها قبل أن تنعشك الألفاظ الجميلة . وبالرغم من كونه من رجال القانون الا انه يعشق الشعر وله باع كبير في نقد الشعر على القواعد النقدية العربية القديمة التي أسسها كل من عبد القاهر الجرجاني والآمدي وابن الاثير .. وغيرهم . وفي الثانوية الشرقية وكنت في الخامس والسادس الثانوي ، نجحت رفقة الصديق القاص عبود عبد الله بكر ( استشهد في الحرب العراقية الايرانية عام 1982 ) ان نؤسس صحيفة أدبية اسبوعية جدارية اسميناها بـ ” الاصداء ” ترأست تحريرها عام 1969 ، وكنت اكتب افتتاحيتها اسبوعيا ، واصدرنا عدة اعداد منها ، ولكن الاوامر صدرت باغلاقها كوننا نشرنا قصيدة سياسية ساخنة ينتقد فيها العرب في هزيمتهم نقدا مبرحا ، وكانت للشاعر نزار قباني ( هوامش على دفتر النكسة ) .

نزار : ثورة التناقض في التغيير

لقد كانت الحياة العربية قبل هزيمة يونيو / حزيران 1967 بسنوات مفعمة بالروح القومية الوقادة وذكر الأمجاد ، وترديد الشعارات ، واذاعة الاغنيات الحماسية ، والهوس السياسي ، وحمأة الأيديولوجيات ، وسماع الخطابات .. وبنفس الوقت ، كان المجتمع العربي يعتز بنخبه المثقفة ومبدعيه وكانت الاستنارة في الفن والادب قد وصلت الى اعلى مداها عند العرب .. وبرز عند منتصف القرن العشرين وبعد الحرب العالمية الثانية نخبة عربية رائعة من الشعراء والفنانين والادباء المثقفين وقد شغلتهم السياسة والايديولوجيات الثورية والقومية والنضال والاشتراكية .. ، ولم يكن لنزار في ذلك كله أي نصيب يذكر ، كما اذكر ، كانت المرأة شغله الشاغل يتفنن في توصيفاتها ويتخيلها كما يريد له خياله ويصورها كما يجمح به فكره وخياله .. كان نزار يتلذذ بمشاهد خصرها وسيقانها ونهودها وأظافرها وخصلات شعرها .. التي يخلقها ويجسمها تعبيريا برسم كلماته جميعها للناس ، ويجلس يترقب ردود افعالهم على نصوصه واشعاره .. وكان ذكيا جدا في استخدام الألفاظ البسيطة جدا في خطابه الشعري الذي يدخل النفس مباشرة من دون أية تعقيدات ، ونجح في تضمين كلمات عادية يومية يستخدمها الناس صباح مساء ..
واستطيع القول ، ان نزارا يتميز بقاموسه الشعري وتعابيره التي انفرد بها عن الاخرين .. ولكن بقي الرجل محافظا على التفعيلة الشعرية، وقد اغرم بموسيقى بعض الكلمات والتعابير التي كانت تثير الأحاسيس وتسخن العواطف .. لقد وجد في البيئة الاجتماعية العربية المكبوتة الى حد النخاع فرصته التي يستطيع اللعب فيها لعباته العاطفية بكل جرأة وشجاعة وقد ساعدته ظروف تلك المرحلة على استخدام كل التعابير في الجنس والجسد والشهوات ووصف حتى ركامات الحلمات .. ولكنه اضطر الى تغيير جملة كبرى من الفاظه وتعابيره في العشرين سنة الاخيرة من القرن العشرين بسبب تغير الظروف في المجتمع العربي تغييرا كاملا اولا ، وبسبب فقدانه بلقيس في رحيلها الذي قض مضجعه !

 

View Comments (0)

Close Post

الأديب عبدالله الجفري يقدم أوراق اعتماد محبته للشاعر نزار قباني في بيروت

ثلاثة تقاسموا منبر نقابة الصحافة اللبنانية في احتفالية توقيع كتاب الصحافي والكاتب عبد الله الجفري (نزار قباني.. آخر سيوف الأمويين الذهبية ) الصادر حديثا في بيروت.

نقيب الصحافة اللبنانية محمد البعلبكي الذي قام كعادته بمهمة عريف الاحتفال، وسفير خادم الحرمين الشريفين في بيروت الشاعر الدكتور عبد العزيز محيي الدين الخوجة، والى جانبه جلس الأستاذ عبد الله الجفري ككتلة من الدماثة. هذا الكاتب الصحافي الذي يعتبر من العلامات البارزة في مدرسة الأساليب الصحافية العربية. ولا يمكنني، قبل الكتابة عن الاحتفال والكتاب معاً وسوياً، كما أبناء جيلي من قراء الزميلة «الحياة» سوى الاعتراف بأن الجفري قلب موازين الأمور بالنسبة لنا رأسا على عقب. وبتنا منذ اعتدنا على قراءته نقرأ الجريدة من الجهة اليمين

في الصفحة الأخيرة، أي من مقالة أبو وجدي تحديدا. التي كانت تعطينا لمسة أدبية ساحرة بلغتها البديعة. الى ملامح الاطمئنان منها على الحياة خالية من نكد السياسة وأخبارها التي تملأ صفحات الجرائد على جاري العادة.

اليوم عندما شاهدت عبد الله الجفري للمرة الأولى وجدته كما توقعته، محباً خلوقاً دمث المعشر. بنظرة من عينيه عالية الرقي وبلسان شديد الدماثة. هذا الكاتب الذي أشاهده للمرة الأولى لم يكن على غير ما توقعت، أنا الذي ذهبت الى الاحتفال وفي ذهني زاويته اليومية التي كنت أقرأها طوال سنوات. ملامح كتابته تدل عليه من بعيد. وكتابه الذي هو بحسب نقيب الصحافة اللبنانية «شهادة دامغة على مكانة نزار قباني في دنيا القريض» كما أنه أيضاً نسخة من أوراق قليلة. ولكنها «تعيدنا الى الأيام المليئة بالحب والعتب والزهد والوجع». وعبد الله الجفري لا هو من الكتاب المتشوفين، ولا هو ممن أصابهم مس الشهرة، ولا هو كذلك مملوكاً لطبائع الكثير من مثقفي هذا الزمان المدعي النخبوية وهي أكثر ما تكون بعيدة عن سلوكهم. فقبل أي شيء آخر فإن المثقف سلوكي على مايقول جان بول سارتر. والجفري من هذه الطبقة من المثقفين السلوكيين. فهو شخص متواضع ممتلئ بالحب كما كان عموده اليومي الذي كنت من المدمنين عليه يوميا ولفترة طويلة، ومازلت أذكر حين توقف عن الكتابة في «الحياة» أني بحثت عن عنوان له لأكتب رسالة تعبر عن مدى غضبي وحنقي من توقفه. ولكني كما عادة البشر نسيت وبردت همتي وخف حماسي تجاه الموضوع معتقداً أن الرجل ربما قرر أن يريح نفسه من توزيع الابتسامات على قراءه المجهولين يومياً ومن توزيع محبته على أصدقائه المعروفين جداً. ولكنه لشدة أمانته، عاد هذه المرة وبين يديه محبته الوفية لأحد عمالقة الشعر العربي في القرن العشرين صديقه نزار قباني. كتاب واحد، لكن الحب الذي بين صفحاته لا يسعه العالم.

«أن تتحدث عن كاتب وأديب أو شاعر أمر بغاية الصعوبة، فكيف إذا كان هذا الكاتب بقامة الأستاذ عبد الله الجفري، فالصعوبة مضاعفة، وحسبي في كلمتي المتواضعة هذه أن ألقي الضوء على بعض جوانب موهبته الفذة.

لقد عرفت الأستاذ عبد الله وواكبت كتاباته منذ البدايات، وأعترف أمامكم اليوم أن أدبه متعب، لأنه يحمل المسؤولية ويصيب بالإدمان، وتشعر أنك ترتكب خطيئة إذا لا تقرأه. تغلغل فينا كالجدول الذي ينساب في الحقول، فروى بدون ضوضاء وتابع مسيرته فأزهرت خلفه العقول وتفتحت أجمل الأفكار.

الأستاذ عبد الله لا يتكلف في أسلوبه، بل يغمس ريشته بمداد القلب، فتأتي كتاباته واقعية، مفعمة بالحياة، وتزداد رونقاً بتناوله أهم المواضيع الاجتماعية والثقافية والأدبية بشكل مباشر ودون مواربة، وهو من الرواد في هذا المضمار الذين طبعوا مرحلة معينة من تاريخنا الأدبي الحديث بنهجهم واسمهم وبات يشكل علامة فارقة بين أهل القلم برومانسيته الممزوجة بالواقعية، فإذا تكلم عن الحب، فهو عاشق مدمن، وإذا تناول المشكلات الاجتماعية، فهو باحث اجتماعي من الطراز الأول.

ولا يمكنك أن تتكلم عن عبد الله الجفري دون التوقف عند الصفة الشمولية التي يتمتع بها وسعة العلم والمعرفة التي تضج بها كتاباته، فهو الأديب والروائي والصحافي بامتياز، وتشعر وأن تقرأه أن جملته تحمل قليلا من كل هؤلاء، وليس هذا بالأمر اليسير.

هذا بعض قليل من عبد الله الجفري، الذي نعتز وتعتز به بلاد العرب، ولا أكون منصفاً، ولن أكون، إذا لم أتكلم عن طيب أخلاقه ورقة نسمته، وعلو خصاله وشمائله، ولو أني أعرف أنني سأجرح تواضعه، ولكن هذا من حقه علينا.

اليوم، نحتفل معا بولادة فرد جديد في عائلة عبد الله الجفري، كتاب كبير بموضوعه، وبشاعره نزار الذي ملأ الدنيا وشغل الناس. فهنيئاً للأستاذ عبد الله وهنيئا لنا وللمكتبة العربية».

هكذا قدم سفير خادم الحرمين الشريفين القادم كذلك من عمق الشعر الى الديبلوماسية، والجامع بينهما أبدياً بعقد زواج نهائي لا رجعة عنه. وهو حين أشار في مديحه الى الجفري لم ينتبه الجميع ربما الى أن الجفري كاد أن يغرق في هندامه من كثرة الخجل. وهذا ليس مستغرباً، فأنا أشاهده للمرة الأولى في حياتي وأتلقى هذا الانطباع الذي نادراً ما نجده عند الكثيرين من المثقفين.

أما الأستاذ عبد الله الجفري، الذي قدم كتابه قبل كلمته الى العلن. فإنه قدم كلمته الموسومة بعنوان جميل هو (ذكرى رحيل الشاعر/ العصر؟!) التي قال فيها:

«في ذكرى رحيل الشاعر/ العصر: نزار قباني ومرور سبعة أعوام على خفوت صوته الشعري في دنيانا.. استرجعت بعض الأصداء من لقائي الأخيرين به قبل وفاته بشهور قليلة، وبصوته الضعيف الذي أوهنه المرض، قال لي يومها: (مهما يلاقي الشاعر – حياً – من نفي وظلم النظام السياسي له، فلابد أن يعوضه شعبه / قراؤه وهو ميت)!!

وأتواجد اليوم في بيروت / محبوبته، لأتشرف بدفء هذا الحضور الكريم، أقدم أوراق اعتماد محبتي لهذا الشاعر من خلال كتابي: (نزار قباني آخر سيوف الأمويين الذهبية)، من منشورات دار النور، ومن طباعة دار صادر، متشرفاً

بالتحية / المقدمة التي أهديت إلي من الناقد الكبير الصديق الشاعر الراحل د. محمد يوسف نجم… وأنا أسترجع أصداء الشجن بصوت نزار:

لم يعد في العمر ما يكفي لأبقى ساهراً

أشعل الشمع بأعماق العيون الفاطمية

إنني آخر نافورة ماء تتهجى اللغة الأندلسية

وأنا آخر سيف ذهبي في الفتوح الأموية.

كان نزار قباني، داعية جمال، وصانع خزف، وبستانياً يسقي أشجار الياسمين وأغصان الزيتون.

كان (مشغولاً بالفيروز، وبالصفصافة التي تغسل ضفائرها بمياه عين الفيجة)!

كان نزار يمثل، فسيفساء الشعر العربي الحديث.. ويستضيء بأقمار الجمال، كلمات تزهر عشقاً حتى يكتبها شعراً.

لقد سميته (الشاعر العصر) ذلك أن عصراً ابتدأ بميلاد نزار الشاعر، وعصرا جديداً ابتدأ بموت الشاعر نزار.

ولكن.. إذا مات الشاعر جسداً وفماً، فمن يدافع عن شخصه وصوته بعد موته؟!

ونعرف أن (إبداع) الشاعر في شعره المتميز، كفيل بالدفاع عن (تميز) الشعر، وتتويجه على قمة الشعر الحديث المعاصر، وكفيل بدحض أية شوائب يحاول المناوئون للشعر أن يلصقوها بشعره.. فهو القائل (أنا خاتم من صياغة دمشق… نسيج لغوي من حياكة أنوالها… صوت شعري خرج من حنجرتها… رسالة حب مكتوبة بخط يدها).

ومن حق أي ناقد أن ينتقد شعر نزار قباني وحتى مدرسته الشعرية.. ومن حقه أن يقول، إن أعظم الشعراء المبدعين، تعرض شعرهم وإبداعهم للنقد بعد موتهم، منذ المتنبي وحتى أحمد شوقي، ولكن… لو كان النقد ينصب على النص، او العمل الإبداعي بتحليل موضوعي.. فهذا حق للأجيال كلها، ورسالة الناقد المتجردة من الشخصانية.!

لقد طفرت دمعة من عيني، وقد استيقظ انتباهي على صوتي يهمس، يا أيها الحب الجميل.. كيف مت؟!!

كأن هذا الكرسي الهزاز الذي كان يجلس داخله في بيته في لندن، وحده صار يعبر اليوم في تطويحه عن واقع الشعر العربي المعاصر المتطوح… فهل نواصل الرثاء.

وهل تسمحون لي أن أبكي الآن نزاراً من جديد؟!!

أتخيل كرسيه مازال في وسط الغرفة المستطيلة الصغيرة تلك. تكبر وتكبر، فتتحول الى صالون ملوكي، الى إيوان، الى طريق بامتداد الدنيا حتى قبر نزار قباني.. الى بيت شعر نزاري لا يموت.. لا يخف صداه.

الى أين يذهب موتى الوطن؟!

أي موت هذا الذي لا يميت الإنسان، بل يزيده حياة وصداحاً؟!

أي حياة هذه التي يتفوق فيه الموتى على الأحياء.. ويتفوق عليها الموت. يحيا؟!

حقا… كلما تتقدم بنا الحياة الى النسيان، يستعصي نزار على هذا التقدم.. التقدم الوحيد الذي استعصى عليه نزار، هو الذي كانت دعوته الأولى بمشعل التقدم!

فكيف نجرؤ على نسيان كل هذه الذاكرة العظيمة للحب.. وهل ننسى الحب من بعده؟!

إذا حاول واقعنا إرغامنا على نسيان الحب… فقصائد نزار تبقى هي، قلب الحب الخفاق النابض أبداً.

وبعد…

فإني أتوجه بشكر خاص لنقابة الصحافيين اللبنانيين ونقيبها الأستاذ محمد البعلبكي على استضافته هذا الحفل… وأتوجه بحب خاص الى سعادة السفير د. عبد العزيز خوجه. شاعر بطحاء مكة المكرمة، من أسميته، شاعر الصهيل الحزين. الذي تفضل بوازع من محبته الأخوية ومن تقديره وتشجيعه لتطوير الحركة الثقافية في المملكة، فرعى هذا الاحتفال الذي شرفت فيه بمشاركة رموز ونجوم الثقافة والأدب في لبنان، مثمناً حضورهم وشاكراً لهم تلبية الدعوة.

وأخص بالشكر أيضاً الزميل العزيز الصديق الأستاذ تركي عبدالله السديري رئيس اتحاد الخليجيين للصحافة، ورئيس هيئة الصحافيين السعوديين ورئيس تحرير صحيفة «الرياض» الذي حرص على الوقوف بجانبي، مقدراً له هذه اللفتة، ومقدراً أيضا لفتة الزميل العزيز الأستاذ علي محمد الحسون رئيس تحرير صحيفة البلاد بحضوره.

ولكم جميعا الشكر».

انتهى عبد الله الجفري من تقديم كتابه وشاعره الى الجميع، وأثناء ذلك لم ينس أن يكون هو هو، ناثر حب على جميع من رآهم.

 

View Comments (0)

Close Post

أوراق الزمن المجهول أسعد المقدم و نزار قباني 1956

شمس الدين العجلاني

من أين لنزار كل حكايات الحب التي يرويها؟
نزار: المرأة نصف العالم.. وهل بالشيء القليل أن أهتم بنصف العالم؟!

كان بين نزار قباني وسعيد فريحة الصحفي اللبناني العتيق صاحب مجلة الصياد (صدرت عام 1943 ولم تزل تصدر حتى الآن) ومؤسس دار الصياد اللبنانية، صداقة متينة، حيث تعرفا على بعضهما منذ الخمسينات وامتدت هذه الصداقة والمحبة لحين فرق الدهر بينهما.
فتح سعيد فريحة صفحات مجلته الصياد لشاعر الشام نزار قباني، فكان يكتب فيها تارة مقالاً نثرياً، وأخرى قصيدة شعر، وثالثة لقاء يجريه أحد محرري الصياد مع شاعر الشام.
وهنا أحد اللقاءات التي أجراها الصحفي المخضرم أسعد المقدم مع نزار على صفحات الصياد بتاريخ 30 آب 1956، ويطرح شاعرنا من خلال هذا اللقاء العديد من القضايا والمواقف التي كانت تتناولها الساحة الأدبية آنذاك:
 
مع نزار قباني
من الخير في بلادي
من عطاء الربيع
من تدفق اللون وتراقصه
ولد… وكان أغنية حلوة، كحلاوة أحرفه المزوقة بأطيب الأحلام!
هو في عمرنا أكثر من لحظات سعيدة، أكثر من أيام محببة، أكثر من ذكريات خالدات!
إنه بعض عمرنا…
وأجمل ما فيه من معان.
هكذا عرفته…
وكذلك هو نزار قباني، شاعر العطر والجمال، ودنيا من الحب والفن، وأروع حكايات شبابنا وصبانا!..
وكان أن ضمنا موعد..
وجلست إليه أتأمل الأنامل الدقيقة التي صاغت أعذب الحروف وأطربها.. وذلك الشباب الحلو الذي حوى بين ضلوعه قصصاً من الحب لا تنتهي!..
وإذا تعجب سائل: من أين لنزار كل حكايات الحب التي يرويها..
فقل إنها حكاياته.. حكايات عمره.. حكايات شبابه!
والتفت إليه، وفي عيني ألف سؤال وسؤال، وقلت له:
لم اتجهت بشعرك إلى زاوية الغزل فقط؟
أجابني، وهو يلملم خواطره، ويستعيد ذكريات عمره كشاعر: إن ” لم ” هذه التي ابتدأت بها سؤالك في غير محلها.. فلا يمكننا أن نسأل: لم اتجه الإنسان إلى درب من الدروب، وترك أخرى!
إن تكوين الشاعر يتعرض لعوامل عدة.. والطريق التي يسير عليها ليست وليدة إرادته بقدر ما هي نتيجة نشأته وطفولته وثقافته، والأحاسيس والمشاعر التي عاشها وتفاعلت بها نفسه.
لقد حاولت بشعري أن أخرج بقضية الغزل عما عرفه الشعر العربي القديم، فسجلت الأشياء الأنثوية التي تحيط بحياة المرأة العربية المعاصرة، ووضعت العلاقات العاطفية التي يعيشها الشاعر في إطار عصري مذهب!.
قال جملته الأخيرة والتفت إلي ضاحكاً:
ألم تسمع بالمثل الذي يقول:
إن المرأة نصف العالم؟ وهل بالشيء القليل أن أهتم بنصف العالم؟!
وعدت أسأله من جديد:
لم هذه الصراحة الزائدة في غزلك؟ قال: أنا أعتقد أن الحرف بين يدي الشاعر يجب أن يشحن بأكبر طاقة ممكنة من الدفء ليستطيع أن ينقل إلى القارئ التجربة الشعرية بضراوتها واحترامها وتمزقها!.. لذلك، فإذا كنت قد ألححت على اختيار الحروف التي تسفح النار، وتنقل التجربة بلحمها ودمها إلى أصابع القارئ فلأني أؤمن بإمكانية الحرف على النقل… ونقل التجارب الصائحة تحتاج إلى حروف صائحة.. وكم أتعذب في صياغتي للحرف الصائح، لأنني أريده حرفاً جديداً لم يسبقني إليه أحد، ويعبر عن أعمق أعماق مشاعري وخلجات نفسي!… إن الحرف عندي يا صاحبي عبادة.. ولم يعرف بين العبادات ما هو أكثر آلاماً وعذاباً من عبادة الحرف!
قلت: أليس هناك حدود يجب أن يلتزم بها الشاعر؟
أجاب ساخراً:
إن التزامي الوحيد هو أن أكون مخلصاً للحرف بين يدي… وقضية الالتزام، كما طلع بها علينا الكتاب المعاصرون، إنما هي شكل جديد لنظام السخرة الذي كان يثقل عنق الشاعر العربي القديم… والفارق الوحيد أن ديكتاتورية الأمير أو الحاكم قد استبدلت بديكتاتورية الجماعة!.. إن قوام كل فن أصيل هو الحرية المطلقة، ولا يمكن لأي فن أن يتنفس دونها. وقفز عن مقعده ثائراً وهو يهتف: أعطوني حريتي… وخذوا كل شيء سواها!
قلت: بأي الشعراء تأثرت؟ قال: لقد اطلعت على مختلف التيارات الشعرية، سواء منها الأوروبية أم العربية، ثم استخلصت لنفسي طريقة خاصة، وآثرت أن أشق درباً – ولو صغيراً – له طيبه الخاص… وآفاقه الخاصة… وزهوره الغريبة.. وإني لكبير بهذه الطريق الصغيرة.. الأميرة.. التي شققتها لنفسي!
وهذا عندي أهم ما يميز حياة الشاعر، لأن الكلمة إما أن تكون سيدة، أو لا تكون… وعذاب الحرف هو أشرف عذاب يمكن أن يعانيه الإنسان! قلت: ما رأيك الجديد للتحرر من القافية والوزن في الشعر العربي؟
أجاب: لا شك بأن القصيدة العربية في تخطيطها القديم تعيق من انفلات العاطفة على مداها، والقوافي بدورها تأتي كالأقفال لتحبس الكلمة في حلق الشاعر، وتقطع نفسه في منتصف الطريق.. وذلك ما أدى إلى هذه “التجزيئية” في القصيدة العربية التي جعلت التجربة الشعرية تنقطع في نهاية كل بيت، لتلتقط أنفاسها في مطلع البيت التالي… وبمعنى آخر إن وجود القافية حال دون صيرورة القصيدة العربي كلاً يهدر في سمع القارئ كالسمفونية العظيمة.. أما الاتجاه المعاصر للفرار من عبودية عمود الشعر، فهي تجربة جزئية لم تتبلور بعد، وأعتقد أن السنوات القادمة ستقرر مصير هذا الاتجاه الجديد.
قلت: من هو أحب شاعر إلى نفسك من الشعراء المعاصرين؟
وأشعل سيكارة… وراح يتأمل حلقات دخانها المتصاعدة، ثم قال بشاعرية عذبة:
أحب كل ريشة تؤمن بعذاب الكلمة.. وتحترق لتعطي حياتها قبل أن توجد.. لذا كان أحب الشعراء إلى نفسي هم أولئك الذين يحترقون ويحرقون.. وسعيد عقل في رأيي قمة من قمم الأدب العربي المعاصر، لأنه رد للحرف اعتباره، ولأن أصابعه لا تغزل سوى الجديد الذي لا تحلم به الدواة!
قلت: ما رأيك بالحركة الشعرية الحاضرة في العالم العربي؟
قال: أنا معجب بهذه الانطلاقات الجديدة التي يتمزق عنها عالمنا العربي، والشعر العربي يقف على مفترق الطرق الآن، وهو رغم حيرته،.. بخطى مسرعة نحو المفهوم العالمي للشعر.. قلت: ما هو أجمل شيء في المرأة؟! وانفرجت أساريره.. وضرب بكف، بعد أن خلع سترته استعداداً..!
ثم هتف قائلاً: أجمل ما في المرأة هو جمالها.. التي دونه نجمة منطفئة.. ودورق من دون عطر!
قلت: ما هو السن الذي تفضل أن تكون فيه المرأة؟ قال: لكل سن مدلوله وروعته!.. زهرة جميلة وهي برعم، وجميلة وهي زهرة، وجميلة عندما تستحيل إلى ثمرة ناضجة.. والمرأة في نظري إما امرأة أو لا شيء إطلاقا!.. حكاية خير الأمور الوسط – بالنسبة للجمال – هي من أسخف ما سمعته في هذا الموضوع.. والمرأة الجميلة هي القصيدة الجميلة لا تقبل الحلول الوسط.
فإما قصيدة.. أولا قصيدة! وإما عينان جميلتان أولا عينان جميلتان!
فقلت: هل تؤمن بالحب العذري؟ فأجابني مبتسماً: افتح دواويني..
مقدار إيماني بمثل هذه.. “.. هذا النوع من.. النادر!.. فالحب العذري صداقة الرجل للرجل.. لا تفوح منها سوى رائحة الصقيع! قلت: والزواج.. وبالأخص زواج الفنان.. ما رأيك به؟ قال: الحرية هي أخطر مادة أولية لصناعة فن صحيح.. والزواج على كل حسناته – إذا كان ثمة حسنات له على الإطلاق!
يفترض التفريط بالحرية أو بجزء منها، وهو ما يتعارض مع الآفاق الفسيحة التي تقتضيها صناعة النار، أعني الشعر! قلت: وكم كان عمرك عندما أحببت للمرة الأولى؟ أجابني: أنا لم أعرف دقيقة واحدة في حياتي لم أحب فيها.. وحكاية ” ما الحب إلا للحبيب الأول” هي أكبر كذبة ابتدعها أفشل شاعر.
ونظر إلي وهو يغمزني بإحدى عينيه.. ثم تابع قائلاً: إن صديقي سعيد فريحة هو في طليعة المؤمنين بهذه الحقيقة.
قلت: فما هو عدد اللواتي أحببت؟- إن ذاكرتي
ضعيفة من هذه الناحية! – واللواتي أحببنك؟ – اسألهن!
وبحثت عن سؤال لا يمكنه التهرب منه بأجوبة دبلوماسية.. وعدت أسأله من جديد: ما هي قصة قصيدتك “خبز وحشيش وقمر” التي ثار من أجلها البرلمان السوري والمتزمتون من رجال الدين؟
قال: إن قضية هذه القصيدة هي قصة الواقع الذي نفر دوماً من وجهه دون الاعتراف به.. ولقد حاولت في هذه القصيدة أن أسلط الضوء على هذه البدعة والاتكالية والغيبوبة المتصلة التي أكلت وتأكل من أعمارنا وأعمار هذا الشرق.. إن الإصلاح لا بمواجهتها بشجاعة… ووظيفة الفن هي تسليط النور على المشكلة، دون الدخول في التفاصيل ووصف العلاج، وهذا ما فعلته بالضبط.
وإذا كنت قد لقيت في سبيل هذه القصيدة الكثير من التجريح، فأنا كبير بهذه النهاية التي انتهت بها قصيدتي… وهذا دليل على أن القصيدة استطاعت أن تقتطع الأسطورة من جذورها وتأتي إلى أبي زيد الهلالي على إيوانه.. فتخنقه!
قلت: هلا رويت لي قصة حب امرأة مرت في حياتك؟ قال: مثل هذه القصص أؤثر أن تبقى مزروعة في قلبي.. والقصة الأخيرة هي دائماً الأجمل! قلت له فما هي آخر قصيدة نظمتها؟ أجابني:
إنها بعنوان “22 نيسان”… وتدفقت بعدها الأحرف وهو ينشد قائلاً:
إنني أعبد عينيك.. فلا
تنبئي الليل بهذا الخبر..
أعقد الشمال، فلو أنت معي
مرة.. غيرت مجرى القدر..
المشاوير التي لم نمشها
بعد، تدعوك.. فلا تفتكري
وتوقف فجأة، ثم التفت إلي قائلاً: أنت طماع! قلت: الطمع فيك.. ينفع ولا يمكنه أن يضر!. قال: وآخرتها معك؟ قلت: طيب.. سؤال أخير.. وتمتم بحرارة: الحمد لله… قلت: هل تحب الآن؟!
أجابني وهو يلتقط سترته، ويهرول هارباً: خليها لله..
ومشى بضع خطوات.. ثم أردف مستدركاً: ولضمير الحبيبة.. وكرمها!
وتركت نزار قباني، وأنا مؤمن بأنه سيحب دائماً، حتى آخر قطرة من دمائه… وآخر خلجة من خلجات نفسه وإذا سئلت في قريب أو بعيد: من أين جاء نزار قباني وكيف كان؟ فسأقول لهم: من الحلم الخصيب.. من مرتع الأوهام في علم الغيوب.. من القلب، من الحب، من الطيب!

 

View Comments (0)

Close Post

“عروبة نزار قباني” يحكيها كتاب

دمشق : صدر مؤخرا كتاب «عروبة نزار قباني» لمؤلفه أحمد الخوص وهناء برهان، كتاب ثمين بتحليلاته ونقاشه لآثار نزار قباني الشعرية ودخوله في حياة هذا الشاعر المليئة بالمواقف والجروح والتحديات.

في القسم المخصص لعروبة نزار قباني، يعترف مؤلفا الكتاب ، وفقاً لجريدة “تشرين” السورية ، بأن نظرة غير صحيحة كانت موجودة عندهما لنزار قباني وشعره«كنت كلما اقتربت من مواجهة مكتبة فيها ديوان لنزار قباني ابتعدت عن هذه المواجهة، وإذا ما رأيت شخصاً يقرأ لنزار قباني في أحد دواوينه نصحته أن يترك الديوان، لأن نزاراً شاعر المرأة المترفة والمدللة التي تروي نزواته..»

وتتغير تلك النظرة لشعر نزار مع معرفتنا بقصيدته«خبز وحشيش وقمر»التي أثارت مجلس النواب السوري فحكم عليها أحكاماً جائرة، والقصيدة في مضمونها نقد لاذع للأوضاع السائدة في الوطن العربي من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه يقول فيها: ‏

ما الذي عند السماء؟ ‏

لكسالى ضعفاء ‏

يستحيلون إلى موتى إذا عاش القمر ‏

ويهزون قبور الأولياء.. ‏

وعندما حلت نكسة حزيران عام«1967»حزن نزار قباني على ما أصاب أمته من هزيمة وذل ومهانة، واعترف أول مرة أنه تحول من شاعر حب وحنين إلى شاعر يكتب بالسكين حيث قال: ‏

ياوطني الحزين ‏

حولتني بلحظة ‏

من شاعر يكتب شعر الحب والحنين ‏

لشاعر يكتب بالسكين ‏

ويتحدث الكتاب في قسمه هذا حسبما ذكرت “تشرين” عن عشق نزار وحبه لكل ذرة من تراب الوطن العربي، وأول ما يذكر في هذا المضمار حبه للشام مسقط رأسه التي عاش في أحضانها بين ياسمينها وفلها ووردها الجوري، في دمشق الخالدة أقدم مدن العالم وأقدرها على البقاء. يقول نزار: ‏

هل واحد من بينكم ‏

يعرف أين الشام؟ ‏

هل واحد من بينكم ‏

أدمن سكنى الشام؟ ‏

رواه ماء الشام ‏

تأكدوا ياسادتي ‏

لن تجدوا في كل أسواق الورود، وردة كالشام ‏

وفي دكاكين الحلى جميعها ‏

لؤلؤة كالشام…. ‏

وأيضاً يشارك نزار قباني العرب في مصر وهم يصدون عدواناً غاشماً يريد أن يذل شعباً يعتز بعروبته، ويسير قدماً من نصر إلى نصر من خلال قصيدة تتضمن أربع رسائل من جندي في بور سعيد إلى والده. ‏

وينتقل الشاعر إلى بلد المليون شهيد إلى الجزائر الأبية ليسجل انتصاراً آخر في شخص امرأة مناضلة تحدت جبروت المستعمر الفرنسي الغاصب، ونالت من كبريائه حين لم تأبه للتعذيب والقهر اللذين أنزلا بها، فيقدم لنا هوية هذه البطلة ويصف شجاعتها.. ‏

امرأة دوخت الشمس ‏

جرحت أبعاد الأبعاد ‏

ثائرة من جبل الأطلس.. ‏

وفي مكان آخر يتحدث الكتاب عن موت الرئيس جمال عبد الناصر الذي هز الشاعر هزاً عميقاً. ‏

فبعد الناصر كان أمل الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج.. يناديه نزار: ‏

رفيق صلاح الدين.. هل لك عودة ‏

فإن جيوش الروم تنهى وتأمر.. ‏

وها هو يمجد حرب تشرين التحريرية ويعتبر أن يوم السادس من تشرين يوم الانتصار العربي في عصرنا الحديث على قوى الاستعمار والصهيونية. يضم الكتاب 24 قسماً البداية التعريف بنزار قباني ابن دمشق مروراً بوطنية نزار قباني ومفهوم الحرية عنده إلى نزار شاعر الحب والمرأة و«نزار قباني شاعر ثوري»…الخ.

 

 

View Comments (0)

Close Post